لم تعد حرائق محطتي التحويل الكهربائيتين في نواكشوط مجرد حادثين فنيين أعقبهما انقطاع للتيار فحدوثهما خلال يومين متتاليين، في ذروة موسم الحرارة والطلب على الكهرباء، يضع جاهزية الشبكة وجودة تجهيزاتها وطريقة اقتنائها أمام اختبار حقيقي.
وزارة الطاقة أكدت أن حريق المحطة الشرقية، ذات الجهد 33/15 كيلوفولت، خلف انقطاعات واسعة واضطرابات على خطوط مرتبطة بنواكشوط، فيما أعلنت «صوملك» وصول قطع غيار وتجهيزات فنية والاستعانة بخبراء لإصلاح أضرار الحريقين.
لكن ما يستحق التوقف أن هذه الحرائق تأتي في وقت تنفذ فيه الدولة برنامجا واسعا لتحديث شبكة العاصمة، بلغت مخصصاته في مكون الكهرباء والإنارة العمومية أكثر من 5.2 مليار أوقية قديمة، ويشمل تعزيز محطات التحويل وإعادة تأهيل شبكة 33 كيلوفولت وتجديد جزء كبير من الكابلات.
وهنا تصبح المسألة أكبر من عطل طارئ
كيف تحترق محطات يجري في محيطها تنفيذ برامج لتقوية الشبكة؟
وهل تخضع المعدات التي تقتنى ضمن هذه البرامج لاختبارات صارمة قبل إدخالها الخدمة، ومن يتحمل مسؤولية الاستلام إذا ثبت وجود خلل في المواصفات؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع إعلان «صوملك» نفسها، في أغسطس الجاري، عن مناقصة لتوريد كابلات BT/HTA وملحقات الوصل لشبكات التوزيع، ما يجعل سلامة المواصفات والفحص الفني والتتبع من المصنع إلى المحطة مسألة لا تحتمل التساهل. (SOMELEC)
أما الحديث عن احتمال وجود فساد أو تلاعب في بعض الصفقات، فينبغي ألا يتحول إلى إدانة قبل ظهور الأدلة لكنه ليس ملفا يمكن تجاهله أيضا.
فقد سبق لتقرير لجنة التحقيق البرلمانية أن سجل اختلالات إجرائية ومناطق غموض في بعض صفقات «صوملك»، وتحدث عن ممارسات أثارت إشكالات تتعلق بالمنافسة والشفافية وتكافؤ الفرص.
وفي هذه الحادثة تحديدا، يصبح السؤال مشروعا
إذا أثبت التحقيق الفني أن معدات غير مطابقة دخلت الشبكة، فمن المسؤول عن ذلك؟
ومن يراقب جودة ما يشترى بالمال العام؟
وهل تتحول الصفقة العمومية، التي يفترض أن تكون وسيلة لتطوير الخدمة، إلى مصدر جديد للخطر حين تغيب الرقابة الصارمة؟
ثم هناك وجه آخر للأزمة لا يظهر في بيانات الأعطال مواطنون يعيشون في درجات حرارة خانقة، أجهزة تبريد تتوقف، مواد غذائية قد تتلف، تجار يتحملون خسائر، ومرضى قد لا يكون انقطاع الكهرباء بالنسبة إليهم مجرد إزعاج عابر.
فمن يعوض هؤلاء إذا طال الانقطاع أو أتلف ممتلكاتهم؟
وهل يكفي أن تعود الكهرباء بعد إصلاح المحطة، أم أن المسؤولية تقتضي أيضا حماية المواطن من الكلفة التي يتركها انهيار الخدمة؟
الاختبار الحقيقي الآن ليس فقط أن تعود الكهرباء، وإنما أن تكشف التحقيقات لماذا احترقت المحطات، وكيف اختيرت معداتها، ومن فحصها، ومن استلمها، وهل كانت أموال برامج تحديث الشبكة تترجم فعلا إلى بنية أكثر أمنا وقدرة على تحمل مناخ نواكشوط وأحمالها المتزايدة.
