لم يُنشأ النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية ليُدار بمنطق الغلبة، بل ليُحكم بقواعد واضحة تُقيِّد القوة وتُعلي من سيادة القانون. ولهذا السبب وُلدت الأمم المتحدة، وصيغ ميثاق الأمم المتحدة ليكونا السقف القانوني الناظم للعلاقات بين الدول. غير أن ما نُسب مؤخرًا من عمل عسكري داخل فنزويلا، وما رافقه من حديث عن توقيف أو نقل الرئيس نيكولاس مادورو، يعيد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا جديدًا: هل ما زال القانون الدولي هو الحكم، أم أن القوة استعادت دورها كمرجعية أخيرة؟
ينص ميثاق الأمم المتحدة في مادته (2/4) على حظر صريح لاستعمال القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي. هذا النص ليس شعارًا أخلاقيًا، بل قاعدة آمرة في القانون الدولي. أي خروج عليها، خارج تفويض صريح من مجلس الأمن أو دفاع شرعي عن النفس بشروطه الضيقة، يُعد خرقًا للنظام القانوني العالمي.
المقلق في الحالة الفنزويلية ليس فقط طبيعة التدخل العسكري المحتمل، بل ما يُثار حول المساس برئيس دولة أثناء توليه منصبه. فحصانة رؤساء الدول ليست امتيازًا شخصيًا، بل ضمانة قانونية لاستقرار العلاقات الدولية. المساس بها خارج إطار قضائي دولي مختص لا يعني استهداف شخص بعينه، بل تقويض مبدأ سيادي يحمي جميع الدول، قوية كانت أم ضعيفة.
لطالما جرى تسويق “مكافحة الإرهاب” و“التهديدات الأمنية” كذرائع لتجاوز القواعد الدولية. غير أن التجربة أثبتت أن توسيع هذه الذرائع يفتح الباب أمام منطق انتقائي، تُطبَّق فيه القواعد على البعض وتُعطَّل على آخرين. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في أكثر من حكم، أن الاعتبارات الأمنية لا تُبرر انتهاك السيادة أو استخدام القوة خارج الأطر الشرعية.
القضية هنا تتجاوز فنزويلا. إنها تمس جوهر النظام الدولي نفسه. فإذا بات مقبولًا أن تُنفَّذ عمليات عسكرية أحادية داخل دول ذات سيادة، أو أن يُنقَل رؤساء دول بالقوة تحت أي ذريعة، فما الذي سيبقى من ميثاق الأمم المتحدة؟ وأي دولة ستكون التالية؟
إن الدفاع عن الشرعية الدولية لا يعني تبني سياسات حكومة بعينها أو تبرير إخفاقاتها، بل يعني حماية القاعدة التي تمنع انزلاق العالم إلى شريعة الغاب. فالقانون الدولي، رغم عيوبه، يظل الخط الفاصل بين نظام عالمي تحكمه القواعد، وآخر تحكمه موازين القوة.
ما يجري في فنزويلا، ليس اختبارًا لسياسة دولة واحدة، بل اختبار لالتزام المجتمع الدولي بالقانون الذي وضعه بنفسه. إما أن يُحترم ميثاق الأمم المتحدة بوصفه مرجعية جامعة، أو يُفتح الباب واسعًا أمام عالم أقل أمنًا، وأكثر فوضى.












